ابن عربي
73
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
فقال : يا أمير المؤمنين ، كنت بعمورية وجارية من أحسن النساء أسيرة ، قد لطمها علج في وجهها . فنادت : وا معتصماه ، فقال العلج : وما يقدر عليه المعتصم ؟ يجيء على أبلق ينصرك ؟ وزاد في ضربها . فقال المعتصم : وفي أية جهة عمورية ؟ فقال له الرجل ، وأشار إلى جهتها : هكذا ، فردّ المعتصم وجهه إليها وقال : لبّيك أيتها الجارية ، لبيك هذا المعتصم باللّه أجابك . ثم تجهّز إليها في اثني عشر ألف فرس أبلق . وفي هذه التلبية يقول له في قصيدته حبيب مفرد : لبّيت صوتا رطيبا قد هرقت له * كأس الكرى ورضاب الخرد العرب فلما حصرها وطال مقامه عليها ، جمع المنجّمين فقالوا له : إنّا نرى أنك ما تفتحها إلا في زمان نضج العنب والتين ، فبعد عليه ذلك ، واغتمّ لذلك . فخرج ليلة مع بعض حشمه متحشما في العسكر يسمع ما يقول الناس ، فمرّ بخيمة حدّاد يضرب نعال الخيل وبين يديه غلامه أقرع قبيح الصورة ، وهو يضرب على السندان ويقول : في رأس المعتصم ، فقال له معلمه : اتركنا من هذا ، ما لك والمعتصم ؟ فقال : ما عنده تدبير ، له كذا وكذا يوم على هذه المدينة مع قوّته ولا يفتحها ، لو أعطاني الأمر ما بات غدا إلا فيها . فتعجب المعتصم مما سمع ، وترك بعض رجاله موكلا به ، وانصرف إلى خبائه . فلما أصبح جاءوه به فقال : ما حملك يا هذا على ما بلغني عنك ؟ فقال الرجل : الذي بلغك حق ، ولّني ما وراء خبائك ، وقد فتح اللّه فيها ، فقال : قد ولّيتك ، وخلع عليه ، وقدّمه على الحرب ، فجمع الرماة ، واختار منهم أهل الإصابة ، وجاء إلى بدن من أبدان الصور ، وفي البدن من أوله إلى آخره خط أسود ، عرضه ثلاثة أشبار أو أكثر ، فحمى السهام بالنار ، فقال للرماة : من أخطأ منكم ذلك الخط الأسود ضربت عنقه ، وإذا بذلك الخط خشب ساج ، فعند ما حصلت فيه السهام المحمية قام النار فيه واحترق ، فنزل البدن كما هو ، وتحمى الرجال ، ودخل البلد بالسيف ، وذلك قبل الزمان الذي ذكره المنجّمون . وفي ذلك يقول حبيب في قصيدته : السيف أصدق أنباء من الكتب * في حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب بيض الصفائح لا سود الصحائف في * متونهنّ جلاء الشكّ والريب والعلم في شهب الأرواح لامعة * بين الخميسين لا في السبعة الشهب وخوّفوا الناس من دهياء داهية * إذا بدا الكوكب الغربي ذو الذنب تخرّصا وأحاديثا ملفقة * ليست بنبع إذا عدّت ولا عزب ثم مشى في القصيدة إلى ذكر يعرض بتاريخ المنجمين في التين والعنب ، فقال :